عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)
فالشواهد على هذا كثيرة.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(122)
هو الحق، وقوله الحق ووعده الحق.
اعلم - وفقنا الله وإياك - أنه من لم يجعل وعد الله سبحانه وله الحمد كله حقًا
واجبًا، كوجوب كون النهار بعد الليل والليل بعد النهار، وكوجوب الحركة من
المتحرك بواسطة القدرة، وكتسويد الكاغذ عن جري القلم بيد الكاتب، وكتصوير
الفعل عن مشيئة المصور، وكوجود النهاية عن الانتهاء، فمن لم يكن غوره هكذا لم
يوفِّ إيمانه حقه، وهذا هو اليقين بل كل ما تقدم ذكره، ووجوده على المعهود من
جريان العادة.
ومن الجائز الممكن بمجزيها أن يقطع ذلك المعهود فلا يكون، بل هو مما
يجب الإيمان به، وليس من الجائز ولا الممكن خلف وعد يعد به، ولا وجود خبر
منه على خلاف مخبره - سبحانه وتعالى - عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا، فاعلم ذلك واعمل عليه فإن
الشيطان - لعنه الله - قد يقنع من العباد بالغفلة عن مشاهدة الحقائق، وينسيه القطع
والعمل بها، وإن كان معلومها مختزنًا في جدر قلبه، وربما استجره من هذا المقام
إلى حال الجهل به والعمل على غفلته عنها والجهل بها كما فعل في أصل الإيمان
الذي تقدم الراسخ في الجبلة المغروز في سنخ الفطرة حتى اجتالهم عنها وأزاحهم
عن حقيقتها، كذلك كان أولئك من قبل، فتبينوا رحمكم الله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(94) .
قوله سبحانه وله الحمد: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ...(123) .. إلى قوله: (نَقِيرًا(124) .
الأماني جمع: أمنية، والاسم:
الْمُنى؛ وهو حديث النفس بما هو معجب مستحسن عندها، فإن كان ذلك يحدثها
بزنى ومعصية أو ما جرَّ إلى ذلك فهو من الشيطان، وما كان من ذلك من تمنى
بطاعة الله وابتغاء رضوان الله وما جرَّ إلى ذلك مكتوب في مصالح عمل العبد، فإن
النزول عن هذه العلية سهل على النفس بواسطة تزيين الشَّيطان، فهو من عمالته التي
أقطعها.