وقد سبق لنا في نفس هذه السورة-سورة النساء- قوله تعالى في موضوع العدل والأمانة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} .
وفي آيات هذا الربع عود على بدء، بالنسبة لاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فها هنا يندد الحق سبحانه وتعالى مرة أخرى بموالاة الكافرين من دون المؤمنين ومصادقتهم والتودد إليهم، ويحذر من اتخاذهم بطانة قريبة تطلع على الأسرار والأخبار، وفي نفس الوقت ينعى كتاب الله على المنافقين كونهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويكشف الستار عن سرهم الدفين، مبنيا أن غرضهم الحقيقي من موالاتهم، وهدفهم الأول من الارتباط
الوثيق بهم، هو تعزيز جانبهم بتلك الموالاة وذلك الارتباط، على اعتبار أن الكافرين أعزاء أقوياء، يعطون لمن والاهم وارتبط بهم من عزتهم عزة، ومن قوتهم قوة، ثم عقب كتاب الله على هذا الوهم بالنقض والإبطال، مذكرا بأن العزة كل العزة إنما هي لله وحده لا لسواه، فمن أراد العزة فما عليه إلا أن يعتز بالله، وذلك قوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ثم وجه كتاب الله إلى المؤمنين سؤالا فيه استغراب واستنكار هل يريدون موالاة الكافرين، بالرغم مما تجلبه لهم من سخط الله وغضبه - ولله الحجة البالغة - فقال تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} أي حجة عليكم في عقوبته إياكم. انتهى انتهى {التيسير في أحاديث التفسير، للشيخ/ محمد المكي الناصري. 1/} ...