وأما العمل: فإليه الإشارة بقوله: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات ، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض ، وأيضاً فقوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يفيد الحصر ، معناه أنه أسلم نفسه لله ، وما أسلم لغير الله ، وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق ، وإظهار التبرئ من الحول والقوة ، وأيضاً ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله ، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها .
واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم: إنهم من أولاد الأنبياء ، والنصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة ، فجميع الفرق استعانوا بغير الله .
وأما الوجه الثاني: في بيان فضيلة الإسلام فهو أن محمداً صَلّى اللهُ عليّه وسلّم إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه [الصلاة] والسلام ، وقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال: {وَإِنّنِي بَرِيءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] ، وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ، ولا سجدة لصنمٍ ، ولا استعانة بطبيعةٍ ، بل كان ديدنه الدعوة إلى الله والإعراض عن كل ما سوى الله ، وهكذا دعوة محمد صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ، ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل ، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم ، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولاً عند الكل .