وأما كفالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام الأطفال المؤمنين الذين يُتوفون وهم صغار فليس ذلك بأعظم من كفالة الأطفالِ في الدنيا, فإن في الدنيا يحتاجون إلى ما يمونهم من مأكول ومشروب وغير ذلك, بخلاف من هو في الآخرة في كفالة الله تعالى لا يحتاج إلى أكل وشرب وكسوة ومؤنة, فإن محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الشفيق كما قال فيه عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فكفالة الأحياء (بلا ريب أعظم من كفالة الأموات) .
فإن قيل: إن الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم وبارك باتباع ملة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - , قلنا: ذلك إحدى حسناته - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد اتبع ملة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فحاز آخرها وزاد عليها ما أمر اللهُ به فكان له الفضل أولاً وأخيراً.
فإن قيل: إن الله تعالى سمَّى إبراهيم حليماً ومنيباً وأوَّاهاً, قيل: هذه كلّها من بعض خصال محمد - صلى الله عليه وسلم - وله من الخصال الحميدة أضعافُ أضعاف هذه كما هو مبسوط في كتب مناقبه, فكان في الحلم آيةً كما قال أنس - رضي الله عنه -:"خدَمتُه عشر سنين وليس كلّ شأني كما يَرضى صاحبي, فما قال لي يوماً قط لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا, ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لم تصنع هذا هكذا"وكان - صلى الله عليه وسلم - من الإنابة إلى ربِّه سبحانه بالموضع الذي لا يخفى فإنه كان من دعائه: «اللهم بك أُقاتِل وبك أصول وبك أحول» إلى غير ذلك من الإنابة في جِلِّ الأمور ودِقِّها وكان من تأوهه وخوفه من ربه أنه يقول: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى ربكم» إلى غير ذلك من أخباره عن حلمه وإنابته وتأوّهه.
فإن قيل: إن إبراهيم - عليه السلام - أوحي إليه:"يا إبراهيم إنك لمَّا سَلَّمت مالك إلى الضِيفان, وابنك إلى القربان, ونفسك إلى النيران, وقلبك إلى الرحمن, اتخذناك خليلاً", قلنا: إن ذلك لفضل عظيم, وخير عميم, وفخر مقيم, وكل ذلك من بعض ما أُعطي نبينا - صلى الله عليه وسلم - وزاد عليه كما أشرنا إليه وكما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.