والأمر الثاني من التناجي المحمود: الأمر بالمعروف في لغة القرآن الكريم معناها ما يقره العقل ولا يستنكره، ويقوي الروابط الاجتماعية، ويقيمها على دعائم من الفضيلة ورعاية الحقوق والواجبات، فالمعروف لفظ يعم كل أعمال البر، وخصوصا الاجتماعية منها: وإن المعروف مقابل المنكر. من حيث معناه، ومن حيث حكمه. فالمنكر هو كل ما يضر الإنسان والمجتمع، وهو منهي عنه، والمعروف كل ما يصلح الإنسان والمجتمع، وهو مأمور به مطلوب. فالتناجي لتدبير خطة إصلاحية، ومبادئ اجتماعية، وقيام بحق الله تعالى في إقامة مجتمع فاضل، هو من أفضل الفضائل. وإن المعروف يجب القيام به حيثما لاحت فرصته، وقد قال في ذلك الماوردي في كتابه القيم"أدب الدنيا والدين":"ينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يجعله حذار فواته، ويبادر خفية عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه."
والأمر الثالث الذي يصح التناجي فيه: أمر الإصلاح بين الناس، سوإء كانوا جماعات وأمما، أم كانوا آحادا وأفرادا. والإصلاح بين الناس فريضة اجتماعية تجب على أولي العزم من الرجال، وهي ضريبة ذي الجاه والمنزلة، فإذا كان بين اثنين خصام وأزاله، فقد قرب الله بين قلبين، وإن القضاء والفصل في الخصومات يورث في القلوب إحنا، بينما الصلح بينهم يبقي المودة. ولقد قال في ذلك الإمام عمر - رضي الله عنه - في كتابه إلى أبي موسى الأشعري"رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن القضاء يورث بينهم الضغائن"، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من أصلح بين اثنين أعطاه الله تعالى بكل كلمة عتق رقبة"، وقال عليه الصلاة والسلام لأبى أيوب الأنصاري:"ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله؛ تصلح بين أناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا".
والإصلاح بين الجماعات المتناحرة أوفر خيرا من إصلاح الآحاد، والله