ثم لم يوجب صلاة حتى يصير ظل كل شيء مثله، ويزيد أدنى زيادة، فأخذ الظل في ازدياد، ويحدث له عليه كما أوجب الظهر حين حدث منه ما كان.
وهذا أيضاً لا يوهم أن يكون المقصود بالسجود للشمس، لأن عليه الظل يحدث عن تزايد سقوط الشمس نحو المغرب، ثم لم توجب صلاة حتى تغرب الشمس غروبها أبعد الأحوال من اتهام أن يكون السجود لها.
لأنها إذا غربت فقد غابت عن الأبصار وصارت كالمعدومة، ثم لم تجب صلاة أخرى حتى يغيب الشفق الذي هو الحمرة، لأن الحمرة من بقايا الأشراق الذي هو رتبة الشمس وبهجتها.
وإيجاب الصلاة عند غروبها كإيجابها عند غروب قرصها إلا إيهام فيه لتعظيمها وأن تكون هي المقصودة في السجود دون خالقها، ولم تفرض هذه الصلاة إلى أن يغيب البياض، لأن صلاة قد وجبت بطلوع البياض فلم يجز أن يكون غروبه وقتاً للصلاة الأخرى، ليكون حكم الغروب خلاف حكم الطلوع.
ألا ترى أن غروب الشمس لما كان وقت الصلاة لم يكن طلوعها وقت الصلاة، فخالف حكم الطلوع حكم الغروب، فكذلك هذا.
وله وجه آخر: وهو أن أوقات الصلاة إذا كانت مأخوذة من أحوال الشمس وجب أن يكون أثر من آثار الشمس موجوداً حينما تجب الصلاة وتقام.
فإذا كانت صلاة الفجر تجب بظهور بياض الشمس، والظهر يجب بزوالها، والعصر باستعلاء سقوطها، والمغرب بمغيب عينها.
وكانت هذه الصلوات كلها تقام والشمس نفسها، أو أثر من آثارها قائم باد، دل ذلك على أن العشاء هذا بسببها، وأنها تجب بغروب الحمرة، فتقام والبياض الذي هو من آثار الشمس قائم باد، ولا يتأخر وجوبها إلى أن يغيب البياض، فلا يبقى من الشمس عين ولا أثر والله أعلم.
وأما الركوع فإن خط ابتدائه، بلا سبب يدعو إليه في وقت الطلوع ووقت الزوال ووقت الغروب، لأن الصلاة توجبه، وقد جرت العادة بأن يجتبي الناس من يطعمونه أو يجبونه في ثلاثة أوقات، إذا بدأ أو إذا أدنى، وإذا هم بأن ينأى أي فيعيدون التحية له أبداً تعظيماً كالسلطان إذا ظهر حجابه ثم طلع وجهه.
ويعدون التحية له إذا دنا براً وتكريماً.
ويعدون التحية له إذا هم بأن ينأى تسليماً وتوديعاً فالصلاة إذا وقعت في هذه الأحوال الثلاثة التي ذكرناها للشمس شبهت التحية لها وخصوصاً إذا لم يكن لها سبب متقدم يستدعيها، فيكون قيامه في نفس المصلي من تجاهره الشبهة عن فكره، ودافعاً لما يخلج في القلب منها.