منه بدءًا إلا ما هو الخير والإحسان، وإنما يتطرق السوء والمكروه كله من قبل
أنفسنا وأعمالنا، ومن قبل الغير، اعتبر ذلك بفعله بآدم - عليه السلام - كيف صوَّره، أحسن
خلقه وعلمه، ونوه به في الملأ الأعلى، وأسكنه جنته وبوأه منها ما شاء بعد أن
زوجه، وبلغه ما لم يأمل، ثم أنظر بماذا أخرجه عن مسكنه ذلك، وأزعجه عن قراره،
وكذلك خلقه المولود في طبقات خلقته، ثم كيف يخرجه وإلى أي لطف، وأي
تيسير وتسبيقه له الإحسان في ذاته ومعاشه ودينه، ثم انظر ما الذي يباعده عنه بعد
الإعذار والإنذار بالحق اليقين؛ إذ أنه ما أصابنا من حسنة فمن الله، وما أصابنا من
سيئة فمن أنفسنا وشؤم أعمالنا، والحمد لله.
لهذا قال عزَّ من قائل: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78)
دلَّ - سبحانه وله الحمد - على سبيل التفقه في كتابه العزيز، وأن
بالتدبر يزداد التفكر وبتثوير بعضه من بعض يكون الفقه فيه والفهم عنه، فانتظم
هذا بما قبله أو بما يكون من بابه في القرآن العزيز، يقول: تدبرت القول؛ أي:
قايست بعضه إلى بعض، وناظرت بين فصوله ومعانيه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) .
وقال جل قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) يعني: يتعرفونه بصدقه،
وإنباء بعضه على بعض وتناظره، ومطابقة بعضه بعضًا، فهو واحد أحد لو كان من
عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، فهذا يدلك - إن شاء الله - جلَّ جلالُه - على أن القرآن
كله أنزله منزله - جلَّ جلالُه - ليُعلم وليُفهم، لكن ليس ذلك إلا للعالمين.
ألا ترى أن معنى قولهم:"تدبرت الأمور"تطلبت مبادئها ومآلها، وتقديم ما هو
الأولى بالتقديم منها، وتأخير ما هو أولى بالتأخير، وكيف ومتى وأين، كذلك تدبر
القول على هذا النحو.
(فصل)
لما كان العالم كله أوله وآخره، علوه وسفله، ظاهره وباطنه محكما متقنًا متفقًا
متفق الاختلاف، وربما كان في داخله مختلف الاتفاق، راجعًا بجملته إلى الاتفاق