وَلَمَّا حَضَرَ بِشْرَ بْنَ مَنْصُورٍ الْمَوْتُ فَرِحَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْرَحُ بِالْمَوْتِ؟ فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ قُدُومِي عَلَى خَالِقٍ أَرْجُوهُ كَمُقَامِي مَعَ مَخْلُوقٍ أَخَافُهُ؟ وَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَوْ أَرْسَلْت إلَى الطَّبِيبِ؟ فَقَالَ: قَدْ رَآنِي. قَالُوا: فَمَا قَالَ لَك؟ قَالَ: قَالَ: إنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ.
وَقِيلَ لِلرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وَقَدْ اعْتَلَّ: نَدْعُو لَك بِالطَّبِيبِ؟ قَالَ:
قَدْ أَرَدْت ذَلِكَ فَذَكَرْت عَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَعَلِمْت أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ الدَّاءُ وَالْمُدَاوِي فَهَلَكُوا جَمِيعًا.
وَسَأَلَ أَنُوشِرْوَانَ: مَتَى يَكُونُ عَيْشُ الدُّنْيَا أَلَذَّ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَهُ فِي حَيَاتِهِ مَعْمُولًا.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ ذَكَرَ الْمَنِيَّةَ نَسِيَ الْأُمْنِيَّةَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: عَنْ الْمَوْتِ تَسَلْ، وَهُوَ كَرِيشَةٍ تُسَلُّ، وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْأَمَلُ حِجَابُ الْأَجَلِ. وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
وَلَوْ أَنَّا إذَا مُتْنَا تُرِكْنَا ... لَكَانَ الْمَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنَّا إذَا مُتْنَا بُعِثْنَا ... وَنُسْأَلُ بَعْدَ ذَا عَنْ كُلِّ شَيِّ
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
أَلَا إنَّمَا الدُّنْيَا مَقِيلٌ لِرَاكِبٍ ... قَضَى وَطَرًا مِنْ مَنْزِلٍ ثُمَّ هَجَّرَا
وَرَاحَ وَلَا يَدْرِي عَلَامَ قُدُومُهُ ... أَلَا كُلُّ مَا قَدَّمْت تَلْقَى مُوَفَّرَا
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي. فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اكْسِبْ طَيِّبًا، وَاعْمَلْ صَالِحًا، وَاسْأَلْ اللَّهَ تَعَالَى رِزْقَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وَاعْدُدْ نَفْسَك مِنْ الْمَوْتَى» .
وَكَتَبَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم إلَى أَخٍ لَهُ: قَدِّمْ جَهَازَك، وَافْرَغْ مِنْ زَادِك، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِك وَالسَّلَامُ.