وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: دَخَلْت عَلَى الرَّشِيدِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يَوْمًا وَهُوَ يَنْظُرُ فِي كِتَابٍ وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ. فَلَمَّا أَبْصَرَنِي قَالَ: أَرَأَيْت مَا كَانَ مِنِّي؟ قُلْت: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَمَّا إنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَمْرِ الدُّنْيَا مَا كَانَ هَذَا. ثُمَّ رَمَى إلَيَّ بِالْقِرْطَاسِ فَإِذَا فِيهِ شِعْرُ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
هَلْ أَنْتَ مُعْتَبِرٌ بِمَنْ خَرِبَتْ ... مِنْهُ غَدَاةَ قَضَى دَسَاكِرُهُ
وَبِمَنْ أَذَلَّ الدَّهْرُ مَصْرَعَهُ ... فَتَبَرَّأَتْ مِنْهُ عَسَاكِرُهُ
وَبِمَنْ خَلَتْ مِنْهُ أَسِرَّتُهُ ... وَتَعَطَّلَتْ مِنْهُ مَنَابِرُهُ
أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَيْنَ عِزُّهُمْ ... صَارُوا مَصِيرًا أَنْتَ صَائِرُهُ
يَا مُؤْثِرَ الدُّنْيَا لِلَذَّتِهِ ... وَالْمُسْتَعِدُّ لِمَنْ يُفَاخِرُهُ
نَلْ مَا بَدَا لَك أَنْ تَنَالَ مِنْ الدُّ ... نْيَا فَإِنَّ الْمَوْتَ آخِرُهُ
فَقَالَ الرَّشِيدُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: وَاللَّهِ لِكَأَنِّي أُخَاطَبُ بِهَذَا الشَّعْرِ دُونَ النَّاسِ، فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - .
ثُمَّ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: مِنْ أَحْوَالِ رِيَاضَتِك لَهَا أَنْ تَكْشِفَ لِنَفْسِك حَالَ أَجَلِك، وَتَصْرِفَهَا عَنْ غُرُورِ أَمَلِكَ حَتَّى لَا يُطِيلُ لَك الْأَمَلُ أَجَلًا قَصِيرًا، وَلَا يُنْسِيك مَوْتًا وَلَا نُشُورًا. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الْأَيَّامَ تُطْوَى، وَالْأَعْمَارَ تَفْنَى، وَالْأَبْدَانَ تُبْلَى، وَإِنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَتَرَاكَضَانِ كَتَرَاكُضِ الْبَرِيدِ، يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيُخْلِقَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَفِي ذَلِكَ عِبَادَ اللَّهِ مَا أَلْهَى عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَرَغَّبَ فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» .
وَقَالَ مِسْعَرٌ كَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا وَلَيْسَ يَسْتَكْمِلُهُ، وَمُنْتَظِرٍ غَدًا وَلَيْسَ مِنْ أَجَلِهِ. وَلَوْ رَأَيْتُمْ الْأَجَلَ وَمَسِيرَهُ، لَأَبْغَضْتُمْ الْأَمَلَ وَغُرُورَهُ.