وَقَد اختلف السلف فِي الزهد فَقَالَ سُفْيَان الثوري وَأَحْمَد بْن حنبل وعيسى بْن يُونُس وغيرهم: الزهد فِي الدنيا إِنَّمَا هُوَ قصر الأمل، وَهَذَا الَّذِي قالوه يحمل عَلَى أَنَّهُ من أمارات الزهد والأسباب الباعثة عَلَيْهِ والمعاني الموجبة لَهُ، وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: الزهد هُوَ الثقة بالله تَعَالَى مَعَ حب الفقر وَبِهِ قَالَ شقيق البلخي ويوسف بْن أسباط، وَهَذَا أَيْضًا من أمارات الزهد فَإِنَّهُ لا يقوى العبد عَلَى الزهد إلا بالثقة بالله تَعَالَى.
وَقَالَ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد: الزهد ترك الدينار والدرهم.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: الزهد ترك مَا يشغل عَنِ اللَّه تَعَالَى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت الجنيد وَقَدْ سَأَلَهُ رويم عَنِ الزهد فَقَالَ: استغفار الدنيا ومحو آثارها من القلب.
وَقَالَ سري لا يطيب عيش الزاهد إِذَا اشتغل عَن نَفْسه ولا يطيب عيش العارف إِذَا اشتغل بنفسه.
وسئل الجنيد عَنِ الزهد فَقَالَ: خلو اليد من الْمَلِك والقلب من التتبع.
وسئل الشبلي عَنِ الزهد فَقَالَ: أَن تزهد فيما سِوَى اللَّه تَعَالَى وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حَتَّى يَكُون فِيهِ ثَلاث خصال عمل بلا عقل وقول بلا طمع وعز بلا رياسة.
وَقَالَ أَبُو حفص: الزهد لا يَكُون إلا فِي الحلال ولا حلال فِي الدنيا فلا زهد.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: إِن اللَّه تَعَالَى يعطى الزاهد فَوْقَ مَا يريد ويعطي الراغب دُونَ مَا يريد ويعطى المستقيم موافقة مَا يريد وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ الزاهد يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك السمك والعنبر.
وَقَالَ الْحَسَن البصري: الزهد فِي الدنيا أَن تبعض أهلها وتبغض مَا فِيهَا.
وقيل لبعضهم: مَا الزهد فِي الدنيا؟ قَالَ: ترك مَا فِيهَا عَلَى من فِيهَا.
وَقَالَ رجل لذي النون الْمِصْرِي مَتَى أزهد فِي الدنيا؟ فَقَالَ: إِذَا زهدت فِي نفسك.