ها هوذا قوله سبحانه وتعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} أي تقاتل في سبيل الطاغوت ، ويقابلها الفئة التي تقاتل في سبيل الله ولا بد أن تكون مؤمنة.
إذن فالكلام كله منسجم ، فقال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ} وترك صفتها كمؤمنة وقال: {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وسنعرف على الفور أنها مؤمنة ، وربنا يحرك عقولنا كي لا يعطينا المسائل بوضوح مطلق بل لنعمل فكرنا ، كي لا يكون هناك تكرار ، ولكي تعرف أنه إذا قال: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني مؤمناً ، وإذا قال: {فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} يكون كافراً.
ويتابع الحق: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} . أي نصراء الشيطان الذين ينفخون في مبادئه ، والذين ينصرون وسوسته في نفوسهم ليوزعوها على الناس ، هؤلاء هم أولياء الشيطان ؛ لأن الشيطان - كما نعرف - حينما حدث الحوار بينه وبين خالقه.
قال:
{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] .
لكنه عرف حدوده ولزمها فقال:
{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] .
أي أن من تريده أنت يا رب لا أقدر أنا عليه. وهذه تدلنا على أن المعركة ليست بين إبليس وبين الله ، فتعالى الله أن يدخل معه أحد في معركة ، بل المعركة بين إبليس وبين الخائبين من الخلق ، فعندما قال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} دلّ على أنه عرف كيف يُقْسِم ويحلف ؛ لأن ربنا لو أراد الناس كلهم مؤمنين لما قدر الشيطان أن يقرب من أحد ، لكن ربنا عزيز عن خلقه ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.