روي: أن دريد بن الصّمّة خرج في فوارس من بني جشم، حتى إذا كان بواد لبني كنانة، يقال له «الأخرم» ، وهو يريد الغارة على بني كنانة: رفع له رجل من ناحية الوادي، معه ظعينة، فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه: صح به أن خلّ الظعينة وانج بنفسك وهو لا يعرفه
فانتهى إليه الرجل فصاح به وألحّ عليه، فلما أبي إلّا الإلحاح عليه ألقى زمام الناقة إلى الظعينة وقال:
سيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن
إنّ انثنائي دون قرني شائني ... فابلي بلائي وأخبري وعايني
ثم حمل على الفارس فقتله، وعاد إلى زمام ظعينته نأخذه، فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعا، فصاح به، فتصامم عليه، فظنّ أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى الزمام إلى الظعينة، ثم حمل على الفارس فصرعه، وهو يقول:
خلّ سبيل الحرّة المنيعه ... إنّك لاق دونها ربيعه
في كفّه خطّيّة مطيعه ... أولا، فخذها طعنة سريعه
فالطّعن منّي في الوغى شريعه
فلما أبطأ على دريد بعث في أثرهما نارسا آخر لينظر ما صنع صاحباه، فانتهى إليهما فرآهما صريعين، ونظر الفارس يقود ظعينته ويجر رمحه، فقال له الفارس: خلّ عن الظعينة، فألقى إليها الزمام، وقال لها: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريد من شتيم عابس؟! ... أما ترى الفارس بعد الفارس؟!
أرداهما عامل رمح يابس
ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه، فارتاب دريد وظنّ أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل، فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه، وقد دنا من الحيّ، ووجد القوم قد قتلوا. فقال له دريد: أيها الفارس، إني أضنّ بمثلك على القتل، وإن الخيل ثائرة بأصحابها، ولا أرى معك رمحا، وأراك حديث السنّ فدونك هذا الرّمح، فاني راجع إلى أصحابي، ومثبّطهم عنك. فأتى دريد أصحابه فقال: إن فارس الظعينة قد حماها، وقتل فوارسنا، وانتزع رمحي، ولا طمع لكم فيه، فانصرف القوم، فقال دريد:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظّعينة فارسا لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثمّ استمر كأنّه لم يفعل
متهلّلا تبدو أسرّة وجهه ... مثل الحسام جلته كفّ الصّيقل
يزجي ظعينته ويسحب رمحه ... متوجّها يمناه نحو المنزل
وترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدل
يا ليت شعري من أبوه وأمّه؟! ... يا صاح من يك مثله لم يجهل انتهى انتهى {لباب الآداب، لأسامة بن منقذ} ...