أحنو ضلوعي في كلّ حادثة ... على فؤاد لا يعرف القلقا
لا يزدهيه خوف الحمام ولا ... عهدته في ملمّة خفقا
وقال مالك بن حريم الهمداني لعمرو بن معدي كرب:
يا عمرو لو أبصرتني ... لرفوتني في الخيل رفوا
للقيت منّي عربدا ... يقطو إلى الفرسان قطوا
لمّا رأيت نساءنا ... يدخلن تحت البيت حبوا
وسمعت زجر الخيل في ... جوّ الظّلام هبي وهبوا
في فيلق ملمومة ... تعطو على النّجدات عطوا
وشهد عمرو بن معدي القادسيّة وهو ابن مائة وستّ سنين، وقيل: ابن مائة وعشر سنين. ولما قتل العلج عبر جسر القادسية هو وقيس بن مكشوح ومالك بن الحارث الأشتر النّخعي رحمهم الله، وكان عمرو آخرهم، وكانت فرسه ضعيفة، فطلب غيرها، فأتي بفرس فأخذ بعكوة
ذنبه وجلد به الأرض، فأقعى الفرس، فردّه، وأتي بآخر ففعل به مثل ذلك، فتحلحل ولم يقع، فقال: هذا على كل حال أقوى من تلك. وقال لأصحابه: إني حامل وعابر الجسر، فإن أسرعتم بمقدار جزر جزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلا وقد قتلت وجزرت! ثم انغمس فحمل في القوم، فقال بعضهم: يا بني زبيد، علام تدعون صاحبكم؟ فو الله ما أرى أن تدركوه حيّا. فحملوا، فانتهوا إليه وقد صرع عن فرسه، وهو آخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضرب الفرس فما يقدر أن يتحرك من يده. فلمّا غشيه أصحابه رمى العجميّ بنفسه وخلّى فرسه، فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور! كدتم والله تفقدوني! قالوا: فأين فرسك؟ قال: ضربته نشّابة فشبّ فصرعني وعار.
نقلت من خط النّجيرمي قال: كان الفند من الفرسان الشجعان القدماء،
وهو: شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمّان، وإنما سمّي «الفند» لأنّه شبّه بالقطعة من الجبل، وكان عظيما. وأمدّت بنو حنيفة يوم قضة
بكر بن وائل بالفند، وقالوا: قد أمددناكم بألف رجل، وكان شيخا كبيرا يومئذ، فطعن مالك بن عوف بن الحارث بن زهير بن جشم وخلفه رديف له يقال له الثريار بن مازن بن جشم بن عوف بن وائل بن الأوس:
فانتظمهما برمحه وقال:
أيا طعنة ما شيخ ... كبير يفن بال
كجيب الدّفنس الورها ... ءريعت بعد إجفال
تفتّيت بها إذ ك ... ره الشّكّة أمثالي
وشهد الفند الزمّانيّ حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة، فأبلى بلاء حسنا، وكان يوم التّحالق الذي يقول فيه طرفة بن العبد:
سائلوا عنّا الّذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللّمم
يوم تبدي البيض عن أسوقها ... وتلفّ الخيل أعراج النّعم