أنا ابن صفيّة عمّته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إيّاه قبله، فأعطاه إياه وتركني! والله لأنظرنّ ما يصنع. فاتّبعته، وأخرج عصابة فعصّب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وكذا كانت تقول إذا تعصّب بها، فخرج وهو يقول:
أنا الّذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسّفح لدى النّخيل
أن لا أقوم الدّهر في الكيّول ... أضرب بسيف الله والرّسول
الكيّول: آخر الصفوف، وقيل: وراء القوم. قال الزبير: فجعل لا يلقى
أحدا إلّا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلّا دفّف عليه، فجعل كلّ واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين: فضرب المشرك أبا دجانة فاتّقاها بدرقته، فعضّت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عزل بالسيف عنها، وقال: أكرمت سيف رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة. فقال الزبير: فقلت: الله ورسوله أعلم.
ومن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم: البراء بن مالك - رضي الله عنه - ، حضر القتال يوم مسيلمة الكذّاب وقد قتل أكثر أصحاب مسيلمة، والتجأ منهم نحو من سبعة آلاف إلى حديقة الموت وإنما سمّيت «حديقة الموت» لكثرة من قتل بها، وكان اسمها قبل ذلك «أباض» فامتنعوا فيها، فقال البراء بن مالك رحمه الله: احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليهم، فقالوا: لا نفعل يا براء، قال: والله لتفعلنّ، فحملوه على الجدار، فرأى كثرتهم، فقال: أنزلوني، فأنزلوه، ثم قال: احملوني على الجدار، فحملوه، فقال: أفّ لهذا جشعا! ثم اقتحم عليهم الحديقة، فقاتلهم على الباب حتّى فتحه للمسلمين، ودخلوا عليهم فقتلوهم أجمعين، وكانوا في سبعة آلاف رجل، وقتل من بني حنيفة في الفضاء سبعة آلاف وفي الطّلب مثلها، وقتل من المسلمين نحو من تسع مائة رجل. رضي الله عنهم.
وعن إسماعيل بن عمر رضي الله عنه قال: لما فرض عمر رضوان الله عليه
الدواوين جاء طلحة بن عبيد الله رحمه الله بنفر من بني تميم يستفرض لهم، وجاء رجل من الأنصار بغلام مصفرّ سقيم، فقال: من هذا الغلام؟ قال: هذا ابن أخيك البراء بن النّضر، فقال عمر - رضي الله عنه -: مرحبا وأهلا، وضمّه إليه، وفرض له في أربعة آلاف، فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، انظر في أصحابي هؤلاء، قال: نعم، ففرض لهم في ستمائة ستمائة، فقال طلحة: