إذن فالحق لا يريد من الناس أن يعبدوه على حرف.. أي على طرف من الدين بل في وسطه وقلبه.. أي أنهم على قلق واضطرابات في دينهم لا على سكون وطمأنينة ، كالذي على طرف العسكر والجيش.. فإن أحسٍّ بظفر ونصر وغنيمة سكن واطمأن ، وإلاِّ فرّ وطار على وجهه. هو يريد منك إيماناً حقاً ، ولذلك فبعض الناس يقول: سأزكي لأزيد من مالي. نقول له: اخرج من بالك ظنك أن مالك سيزيد ، بل أنت تزكي لأن الله طلب منك أن تزكي. أما أن يزيد مالك فهذا شيء آخر ، فلعل الله يبتلي إيمانك ويريد أن يرى: أأنت مقبلٍ على الحكم لأن الله قاله ، أم لأنه سيعطيك ربحاً زائداً ؟ وسبحانه حين يعطي ربحاً زائداً ستزكيه أيضاً ، لكن هو يريد من يقبل على الحكم لأنه سبحانه قد قاله.
وقد حرم الحق سبحانه وتعالى عليهم الصيد يوم السبت بظلم منهم ، وكان من الجائز جداً ألاَّ يكون هناك مغريات على المخالفة ، ولكنه أراد أن يبلوهم بلاءً حقاً فيأتي في اليوم المحرم فيه الصيد ويُكْثِر من السمك ، ترى السمكة ظاهرة مثل شراع المركب ، وهذا معناه إغراء بالمخالفة ، فلو لم يظهر السمك في هذا اليوم لكانت المسألة عادية ، لكنهم حين ينظرون السمك وقد"شرع"مثل المراكب سابحاً في الماء ، {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} .
إذن فالابتلاء جاء من أكثر من زاوية: يوم سبتهم تأتي الحيتان شُرَّعاً ، وفي غير يوم السبت لا تأتي ، وهذا الأمر يجعلهم في حالة قلق. فلو كانوا على اليقين والإيمان لالتزموا بالأمر.
والله سبحانه وتعالى يريد أن يمحصهم التمحيص الدقيق ، فماذا هم فاعلون ؟ هم يريدون أن ينفذوا الأمر ، إنما طمعهم المادي يصعب عليهم ألا يصطادوا هاذا السمك الذي يأتيهم يوم السبت ، ولو أنهم وثقوا بعطاء الله في المنع لنجحوا في الاختبار. ذلك أن الحق قد يجعل في المنع عطاء ، لكن مَن الذي يتنبه لذلك ؟