{أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ} ، واللعن قالوا فيه: إنه الطرد والإهانة ، وقالوا في معناه: إنه الإهلاك. والذين يحاولون أن يشككوا في مفهومات آيات القرآن يقولون: أنتم لا تقفون عند معنى واحد للكلمة ، إما أن يراد كذا ، وإما أن يراد كذا. نقول لهم: أنتم ليست لكم ملكة في اللغة حتى وإن تعلمتم اللغة فتعلمكم للغة تعلم صنعة لا تعلم ملكة. وتعلم الصنعة يعطيك القاعدة ولكن لا يعطيك قدرة وضع اللفظ في معناه الحقيقي ولا بيان المراد منه - واللعن - إذا كان معناه الطرد - كان يجب أن تفهموا أن الطرد يقتضي طارداً ، ويقتضي مطروداً ويقتضي مطروداً منه.
ومن الذي يَطْرد ؟.
ومن الذي يُطرد ؟
وعن أي شيء يُطرد ؟.
حين تأخذون المعنى على هذا الوضع لا تجدون غضاضة في أن تتعدد معاني الطرد. فهب أنك تجلس للأكل ثم جاءك كلبك الذي تعتز به للحراسة ليحوم حول مائدتك ، ماذا تصنع له ؟. تطرده عن المائدة ، ذلك طرد. وهب أنّ ابنك مثلاً صنع شيئاً وعندك ضيوف فأردت أن تخرجه من المجلس وقلت له: اذهب عند أمك ، هذا طرد.
وإذا كان ذنب الابن كبيراً ولك سيطرة فأنت قد تخرجه من البيت فلا يجلس فيه ، وهذا طرد. وإذا كان ذنب الابن لا يُحتمل فأنت تخرجه من الحياة كلها فتكون قد أبعدته من الحياة كلها. إذن فكل ذلك طرد. فإن أردنا الخزي والهوان يتأتى اللعن ، وإن أردنا الإهلاك فقد هلك منهم الكثير في المعارك ونالوا الخزي ؛ لأننا سبينا نساءهم وبناتهم ، وقهرناهم ، وأهلكناهم ، وأخرجناهم من ديارهم إلى بلاد الشام وإلى أذرعات ، وأهلكهم الله بالموت. إذن فكل معاني الطرد تتأتى. فقد جاء يمس كل الذي حدث لهم ، ولكنه يختلف باختلاف الطارد ، وباختلاف المطرود ، وباختلاف المطرود منه.