الخامس: استدل ابن الفرس بتوجيه الخطاب لهم في الآية على تكليف السكران ودخوله تحت الخطاب ، وفيه نظر ، لأن الخطاب عام لكل مؤمن ، وعلى تقدير أنه قصد به الذين صلوا في حال السكر ، فإنما نزل بعد صحوهم ، كذا في"الإكليل".
السادس: في قوله تعالى: {حَتّىَ تَغْتَسِلُواْ} رد على من أباح جلوس الجنب مطلقاً إذا توضأ ، لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل ، فلا يقوم مقامه الوضوء ، كذا في"الإكليل".
أقول: إنما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصاً في تأويل واحد ، وحيث تطرق الاحتمال لها ، على ما رأيت ، فلا .
وقد تمسك المبيح ، وهو الإمام أحمد ، بما روى هو وسعيد بن منصور في"سننه"بسند صحيح ، أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك .
قال سعيد بن منصور في"سننه": حدثنا عبد العزيز بن محمد ، هو الدراوردي ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجلاً من أصحاب رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم يجلسون في المسجد وهم مجنبون ، إذا توضؤوا وضوء الصلاة .
قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .
السابع: قال العلامة أبو السعود: لعل تقديم الاستثناء على قوله: {حَتّىَ تَغْتَسِلُواْ} للإيذان ، من أول الأمر ، بأن حكم النهي في هذه الصورة ليس على الإطلاق ، كما في صورة السكر ، تشويقاً إلى البيان ، وروماً لزيادة تقرره في الأذهان .
الثامن: قال أيضاً: في الآية الكريمة إشارة إلى أن المصلي حقه أن يتحرز عما يليه ويشغل قلبه ، وأن يزكي نفسه عما يدنسها ، ولا يكتفي بأدنى مراتب التزكية ، عند إمكان أعاليها .
التاسع: أشعر قوله تعالى: {حَتّىَ تَعْلمواْ مَا تَقُولُونَ} بالنهي عن الصلاة حال النعاس ، كما روى الإمام أحمد والبخاريّ والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: ( إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول ) .
وفي رواية: ( فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ) .