قال: و (العابر السبيل) المجتازه مراً وقطعاً ، يقال منه: عبرت هذا الطريق فأنا أعبُره عَبْراً وعبوراً ، ومنه [في المطبوع: مه] قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه ، ومنه قيل ، للناقة القوية على الأسفار: هي عُبْر أسفار ، وعَبْر أسفار ، لقوتها على الأسفار .
قال ابن كثير: وهذا الذي نصره (يعني ابن جرير) هو قول الجمهور وهو الظاهر من الآية ، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها ، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضاً ، والله أعلم .
وقوله تعالى: {حَتّىَ تَغْتَسِلُواْ} غاية للنهي عن قربان الصلاة ومواضعها ، حال الجنابة ، والمعنى: لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا ، إلا حال عبوركم السبيل .
تنبيهات:
الأولى: في الآية تحريم الصلاة على السكران حال سكره حتى يصحو ، وبطلانها وبطلان الاقتداء به ، وعلى الجنب حتى يغتسل إلا أن يكون مسافراً ، فيباح له التيمم .
الثاني: تمسك بالآية من قال: إن طلاق السكران لا يقع لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد ، وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة والليث بن سعد وإسحاق وأبو ثور والمزني واختاره الطحاوي ، والمسألة مبسوطة في"زاد المعاد"للإمام ابن القيم .
الثالث: في الآية دليل على أن ردة السكران ليست بردة: لأن قراءة سورة الكافرين ، بطرح اللاءات ، كفر ، ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان ، وما أمر النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم بالتفريق بينه وبين امرأته ، ولا بتجديد الإيمان ، ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئاً ، لا يحكم بكفره ، قاله النسفي .
الرابع: استدل بأحد التأويلين السابقين على تحريم دخول المسجد على السكران ، لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول ، فيقاس به كل ذي نجاسة يخشى منها التلويث والسباب ونحوه ، كذا في"الإكليل".