8 -وبمناسبة الإنفاق رياء، نذكر بالحديث المعروف الذي يذكر الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار. وهم العالم، والغازي، والمنفق، المراءون بأعمالهم. يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه، إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت. إنما أردت أن يقال: جواد. فقد قيل. أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا. وهو الذي أردت بفعلك. وكذلك يقال للغازي، وللعالم. نسأل الله الإخلاص في القول، والعمل.
ثم يختم هذا المقطع بهذه الآيات:
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً. فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً.
المعنى العام:
يقول تعالى مخبرا أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل، ولا مثقال
ذرة. بل يوفيها له، ويضاعفها له إن كانت حسنة ويعطي الجنة. ثم بين تعالى هول يوم القيامة، وشدة أمره وشأنه حين يأتي الأنبياء شهداء على أقوامهم، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا على قومه وأمته. يومئذ يود الذين كفروا لو انشقت الأرض وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم منه من الخزي، والفضيحة، والتوبيخ، يومئذ يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا وبهذه المعاني يختم هذا المقطع الذي بين قضايا رئيسية في موضوع التقوى، من عدم أكل الأموال بالباطل، وعدم قتل الأنفس، ووجوب اجتناب الكبائر، وعدم تمني ما للآخرين، وألزم بقوامية الرجال على النساء، وبين حدود معالجة المنشوز. كما أمر بالعبادة، والتوحيد، وترك الاختيال والفخر والبخل. وبعد ذلك تأتي هذه المعانى المرغبة، المرهبة. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.
المعنى الحرفي:
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ: قال النسفي: (وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكون ذرة) . وهذا معنى عظيم، فالهباءة على هذا القول مؤلفة من ذرات كثيرة.