وعلى هذا فإن النسفي يفسر الذرة في الصغر بما نفسرها به الآن من كونها أصغر وحدة مستقلة في المادة. فالله - عزّ وجل - لا ينقص عمل أحد مثقال هذه الذرة من خير، أو شر. وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها. أي: وإن تكن مثقال الذرة حسنة، يضاعف ثوابها. وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً. أي: ويعطي صاحبها من عنده ثوابا عظيما، وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره؟ مع أنه سمى متاع الدنيا قليلا. وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة، مع أن له حسنات كثيرة.
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ. أي فكيف يصنع هؤلاء الكافرون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يشهد عليهم بما فعلوه، وهو نبيهم. وَجِئْنا بِكَ يا محمد.
عَلى هؤُلاءِ. أي: على أمتك شَهِيداً. أي: شاهدا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق.
روى البخاري عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي.
فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟. قال: نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً.
فقال: حسبك الآن. فإذا عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان».
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله. وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ. أي: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، أو حين تصير البهائم ترابا يودون حالها.
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. أي: ولا يقدرون على كتمانه، لأن جوارحهم تشهد عليهم.
فوائد:
1 -في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل وفيه: «فيقول الله عزّ وجل: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار. وفي لفظ: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم.
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ....