وجاء الجمع في بدر وولَّى الدبر. حدث ذلك الإخبار في مكة ، ووقعت الأحداث بعد الهجرة. وكانت الهجرة في الترتيب الزمني مستقبلاً بالنسبة لوجود المسلمين في مكة.
أكان من الممكن أن يقول سبحانه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} لولا أن ذلك سيحدث بالفعل ؟
لو حدث غير ذلك لكذبه المؤمنون به.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك إبلاغاً عن الله وهو واثق ، ويطلقها الله على لسان رسوله حُجة فيمسكها الخصم ، ثم يثبت صدقها لأن الذي قالها هو من يخلق الأحداث ويعلمها.
ويأتي في الوليد بن المغيرة وهو ضخم وفحل وله مهابة وصيت وسيد من سادة قريش ، فيقول الحق:
{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} [القلم: 16] .
أي سنضربه بالسيف ضربة تجعل على أنفه علامة في أعلى منطقة فيه. ويأتي يوم بدر ، فيجدون الضربة على أنف الوليد. لقد قالها الحق على لسان رسوله في زمن ماضٍ ويأتي بها الزمن المستقبل ، وعندما تحدث هذه المسألة فالذين آمنوا بمحمد وبالقرآن الذي نزل على محمد يتأكدون من صدق رسول الله في كل شيء . ويأخذون الجزئية البسيطة ويرقُّونها فيصدقون ما يخبرهم به من أمر الدنيا والآخرة. ويقولون:
-إذا أخبرنا رسول الله بغيب يحدث في الآخرة فهو الصادق الأمين ، ويأخذون من أحداث الدنيا الواقعة ما يكون دليلاً على صدق الأحداث في الآخرة.
ويذيل الحق الآية: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليما بالتقنينات فشَرَّع التوبة لعلمه - جل شأنه - بأنه لو لم يشرِّع التوبة ، لكان المذنب لمرة واحدة سبباً في شقاء العالم ؛ لأنه - حينئذ - يكون يائساً من رحمة الله.