فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 101630 من 466147

قَالُوا: وَلِأَنَّ الذَّنْبَ عَزْمٌ جَازِمٌ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ، يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلُهُ الْمَقْدُورُ، وَالتَّوْبَةُ مِنْهُ عَزْمٌ جَازِمٌ عَلَى تَرْكِ الْمَقْدُورِ، يَقْتَرِنُ بِهِ التَّرْكُ، وَالْعَزْمُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْدُورِ مُحَالٌ، وَالتَّرْكُ فِي حَقِّ هَذَا ضَرُورِيٌّ، لَا عَزْمٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الطَّيَرَانِ إِلَى السَّمَاءِ، وَنَقْلِ الْجِبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ الصَّوَابُ - أَنَّ تَوْبَتَهُ صَحِيحَةٌ مُمْكِنَةٌ، بَلْ وَاقِعَةٌ، فَإِنَّ أَرْكَانَ التَّوْبَةِ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ، وَالْمَقْدُورُ لَهُ مِنْهَا النَّدَمُ، وَفِي الْمُسْنَدِ مَرْفُوعًا «النَّدَمُ تَوْبَةٌ،» فَإِذَا تَحَقَّقَ نَدَمُهُ عَلَى الذَّنْبِ وَلَوْمُهُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ تَوْبَةٌ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ تُسْلَبَ التَّوْبَةُ عَنْهُ، مَعَ شِدَّةِ نَدَمِهِ عَلَى الذَّنْبِ، وَلَوْمِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ؟ وَلَا سِيَّمَا مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ بُكَائِهِ وَحُزْنِهِ وَخَوْفِهِ، وَعَزْمِهِ الْجَازِمِ، وَنِيَّتِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا وَالْفِعْلُ مَقْدُورًا لَهُ لَمَا فَعَلَهُ.

وَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ نَزَّلَ الْعَاجِزَ عَنِ الطَّاعَةِ مَنْزِلَةَ الْفَاعِلِ لَهَا، إِذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، كَقَوْلِهِ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْهُ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْحَدِيثِ، فَتَنْزِيلُ الْعَاجِزِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، التَّارِكِ لَهَا قَهْرًا - مَعَ نِيَّتِهِ تَرْكَهَا اخْتِيَارًا لَوْ أَمْكَنَهُ - مَنْزِلَةَ التَّارِكِ الْمُخْتَارِ أَوْلَى.

يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْوَعِيدُ تَنْشَأُ مِنَ الْعَزْمِ عَلَيْهِ تَارَةً وَمِنْ فِعْلِهِ تَارَةً، وَمَنْشَأُ الْمَفْسَدَةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ هَذَا الْعَاجِزِ فِعْلًا وَعَزْمًا، وَالْعُقُوبَةُ تَابِعَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت