4 -كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة. فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة. فخلق ابتداء نفساً واحدة، وخلق منها زوجها. فكانت أسرة من زوجين. «وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً» .. ولو شاء الله لخلق - في أول النشأة - رجالاً كثيراً ونساء، وزوجهم، فكانوا أسراً شتى من أول الطريق. لا رحم بينها من مبدأ الأمر. ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد.
وهي الوشيجة الأولى. ولكنه - سبحانه - شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها، أن يضاعف الوشائج. فيبدأ
بها من وشيجة الربوبية - وهي أصل وأول الوشائج - ثم يثني بوشيجة الرحم، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى - هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة وفطرة واحدة - ومن هذه الأسرة الأولى بيت رجالاً كثيراً ونساء، كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الربوبية، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة. التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني. بعد قيامه على أساس العقيدة.
ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإسلامي، وهذه العناية بتوثيق عراها، وتثبيت بنيانها، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء - وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى.
وفي هذه السورة وفي غيرها من السور حشد من مظاهر تلك العناية بالأسرة في النظام الإسلامي .. وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي، والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة، وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية - كل جاهلية - ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة ورفع هذه النظرة الهابطة.