200 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا} على شدائد الدنيا وآلامها من مرض، وفقر، وخوف، أو على تكاليف دينكم، وأدائها، وعلى مشقة الاحتراز عن المنهيات {وَصَابِرُوا} ؛ أي: تحملوا المكارهَ التي تلحقكم من غيركم، ويدخل في ذلك احتمالُ الأذى من الأهل والجيران، وترك الانتقام ممن يسئ إليكم؛ كما قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وإيثار غيركم على أنفسكم كما قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} والعفو عمن ظلمكم كما قال تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ودفع شبه المبطلين، وحل شكوكهم، والإجابة عن شبههم.
{وَرَابِطُوا} ؛ أي: اربطوا خيلكم في الثغور كما يربط العدو خيله استعدادًا للقتال، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} ويدخل في هذا كل ما ولده العلم في هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات، وقاذفات للقنابل، ودبابات، ومدافع رشاشة، وبنادق، وأساطيل بحرية، ونحو ذلك مما صار الآن ضروريًّا من آلات الحروب الحديثة، وصار من فقدها يشبه أن يكون أعزلَ من السلاح، وإن كان مدججًا به، ويلزم هذا أن يكونوا عالمين بفنون الحرب، والخطط العسكرية بارعين في العلوم الطبيعية، والرياضية، فكل ذلك واجب على المسلمين في هذا العصر؛ لأن الاستعدادَ المأمور به في الآية لا يتم إلا به.
وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها". متفق عليه.