والثاني: ذكر الخلود فيها، وهو الإقامة دائمًا، والتمتع بنعيمها سرمدًا فقابل جهنم بالجنات، وقابل قلة متاعهم بالخلود. الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن هنا أحسن موقع؛ لأنه آل معنى الجملتين إلى تعذيب الكفار، وإلى تنعيم المتقين فهي واقعة بين الضدين. وقرأ الجمهور {لكن} خفيفةَ النون، وقرأ أبو جعفر بالتشديد، ولم يظهر لها عمل؛ لأن اسمها مبني؛ أي: لكن المؤمنون الذين اتقوا، وخافوا عقاب ربهم بفعل المأمورات، واجتناب المنهيات، وإن أخذوا في التجارات، والمكاسب لهم جنات وبساتين {تَجْرِي} وتسيل {مِنْ تَحْتِهَا} ؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها {الْأَنْهَارُ} من الماء، واللبن، والخمر، والعسل حالة كونهم {خَالِدِينَ فِيهَا} ؛ أي: في تلك الجنات أبدًا لا يموتون، ولا يخرجون منها، فلا يضرهم التبسط في الدنيا، إذا كان على الوجه المعروف في الشرع، فذم الدنيا ومعيشتها للكافر خاصة كما قال بعضهم:
مَا أَحْسَنَ الدِّيْنَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... لاَ بَارَكَ اللهُ فِيْ دُنْيَا بِلاَ دِيْنِ
حالة كون تلك الجنات {نُزُلًا} ؛ أي: جزاء وثوابًا، وعطاءً، وإكرامًا، واقعًا لهم {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ضيافة معدةً لهم من فضله، وكرمه سبحانه وتعالى. والنزل في الأصل ما يهيأ للضيف النازل من القِرَى والطعام، والشراب النفيس، وفي الآية: إيماء إلى أن النأزلينَ فيها ضيوف عند ربهم، يحفهم بلطفه، ويخصهم بكرمه، وجوده، وهذه الجنات نعيم جسماني لهم، وهناك نعيم روحاني أعطاه الله بمحض الفضل والإحسان، وإليه الإشارة بقوله: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى من الكرامة فوق ما تقدم كرؤية الله عز وجل، أو من الثواب الدائم {خَيْرٌ} وأفضل {لِلْأَبْرَارِ} ؛ أي: للموحدين مما يتقلب فيه الكفار، والفجار في الدنيا من المتاع القليل السريع الزوال.