فصل
قال الفخر:
ذكر أهل التفسير فيه وجهين
الأول: لا تشدد علينا فِي التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود، قال المفسرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم فِي الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها، وكانوا إذا نسوا شيئاً عجلت لهم العقوبة فِي الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالاً لهم، قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} [النساء: 160] وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} [النساء: 66] وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر، وكان عذابهم معجلاً فِي الدنيا، كما قال: {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} [النساء: 47] وكانوا يمسخون قرد وخنازير، قال القفال: ومن نظر فِي السفر الخامس من التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق، ورأى الأعاجيب الكثيرة، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم، قال الله تعالى فِي صفة هذه الأمة {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] وقال عليه السلام:"رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق"وقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] وقال عليه الصلاة والسلام:"بعثت بالحنيفية السهلة السمحة"والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير، والتقصير موجب للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى، فلا جرم طلبوا السهولة فِي التكاليف.
والقول الثاني: لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا فِي الغلظ والشدة، وهذا القول يرجع إلى الأول فِي الحقيقة لكن بإضمار شيء زائد على الملفوظ، فيكون القول الأول أولى. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 127}