بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَقُولُ: إِنَّ قَوْلَ مُجَاهِدٍ فِي الْآيَةِ بَعِيدٌ جِدًّا وَإِنْ فَضَّلَهُ الرَّازِيُّ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَيُرَجِّحُ قَوْلَ أَبِي مُسْلِمٍ أَمْرَانِ ؛ أَحَدُهُمَا فِي الْعِبَارَةِ وَهُوَ جَعْلُ(الَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ)فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَالْجُمْهُورُ يَجْعَلُونَهُ بِمَعْنَى الَّذِينَ تَحْضُرُهُمُ الْوَفَاةُ; كَأَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لَا تَجِبُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِهَا إِلَّا عَلَى مَنْ يَشْعُرُ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ . وَثَانِيهِمَا مَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي إِلْزَامِ الْمَرْأَةِ بِبَيْتِ زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى سَنَةً كَامِلَةً ، فَلَمَّا جَعَلَ الْإِسْلَامُ عِدَّتَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا كَانَ مِنْ مُقْتَضَاهُ أَنْ يُخْرِجَهَا الْوَرَثَةُ مِنَ الْبَيْتِ بَعْدَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ ، فَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ رَاغِبَةٍ فِي الزَّوَاجِ يَشُقُّ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، فَكَانَ مِنَ اللَّائِقِ الْمُتَوَقَّعِ مِنَ الزَّوْجِ الْوَفِيِّ أَنْ يُوصِيَ بِعَدَمِ إِخْرَاجِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ الْمُعْتَادِ جَبْرًا لِقَلْبِهَا ، وَأَلَّا تُكَلَّفَ النَّفَقَةَ عَلَى نَفْسِهَا مَا دَامَتْ فِي الْبَيْتِ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَوَرَثَتِهِ فِيمَا تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ إِذَا هِيَ خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ; لِأَنَّ كَفَالَتَهُمْ إِيَّاهَا تَسْقُطُ حِينَئِذٍ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُمْ فِي إِكْرَامِهَا ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْفِعْلَ بِالْمَعْرُوفِ; لِأَنَّ مَنْعَهَا عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا قَصَّرُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ عَظِيمٌ .