أَوْرَدْنَا كَلَامَ الرَّازِيِّ بِنَصِّهِ عَلَى إِسْهَابِهِ وَإِطْنَابِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْنِيدِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِالْحُجَجِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي يَقْتَنِعُ بِهَا أُولُو الْأَلْبَابِ ، وَلِيَعْلَمَ الْمُقَلِّدُونَ أَنَّ فِي أَشْهَرِ مُفَسِّرِي الْقُرُونِ الْوُسْطَى مَنْ ضَعَّفَ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَرَجَّحَ عَلَيْهِ كُلًّا مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُخَالِفَيْنِ لَهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ كَوْنِ النَّاسِخِ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمَنْسُوخِ فِي التِّلَاوَةِ هُوَ مَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ ، وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ فِيهِ غَرِيبٌ مَا حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ إِلَّا تَصْحِيحُ فَهْمِهِمْ لِمِثْلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَوِ اغْتِرَارِهِمْ بِتَفْسِيرِ الْجُمْهُورِ
لَهُمَا ، وَإِذَا سَهُلَ تَسْلِيمُ قَوْلِهِمْ بِجَوَازِ وُجُودِ آيَتَيْنِ فِي سُورَتَيْنِ تَنْسَخُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى مَعَ وُجُودِ النَّاسِخَةِ فِي السُّورَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي تَرْتِيبِ الْقُرْآنِ فَلَا يَسْهُلُ الْقَوْلُ بِأَنَّ آيَاتٍ مُتَنَاسِقَةً فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ يُجْعَلُ السَّابِقُ مِنْهَا نَاسِخًا لِمَا بَعْدَهُ ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ بِوُجُوبِ تَنْزِيهِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُجِيزُهُ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّنْزِيهِ يَدْخُلُ فِي بَابِ الْعَقَائِدِ ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْوَاجِبِ فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ ، فَكَيْفَ يُسَمَّى تَرْكُهُ جَائِزًا ؟ وَإِذَا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ فَهُوَ الْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِالنَّسْخِ .