والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرًا، فعلم أنه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة .. لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل هذا التدريج، وهذا الرفق. قال أنس - رضي الله عنه -: حرمت الخمر، ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد من الخمر.
روى الشيخان عن أنس - رضي الله عنه - قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم، وإني لقائم أسقي أبا طلحة، وأبا أيوب، وفلانًا وفلانًا؛ إذ جاء رجل فقال: حرمت الخمر، فقالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر هذا الرجل. الفضيخ - بالضاد والخاء المعجمتين -: شراب يتخذ من بسر مطبوخ، والإهراق: الصب، والقلال - جمع قلة -: وهي الجرة الكبيرة.
{وَيَسْأَلُونَكَ} ؛ أي: يسألك أصحابك يا محمَّد {مَاذَا يُنْفِقُونَ} ؛ أي: قدر ما ينفقونه من أموالهم، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حضهم على الصدقة، فقالوا: ماذا ننفق؟ قيل: سائله أيضًا عمرو بن الجموح، سأل أولًا عن المنفق والمصرف، ثم سأل عن كيفية الإنفاق، وقيل: السائل معاذ بن جبل وثعلبة، وقال الرازي: كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق، ويدلان على عظيم ثوابه .. سألوا عن مقدار ما كلفوا به: هل هو كل المال أو بعضه؟ فأعلمهم الله تعالى أن العفو؛ أي: الفاضل عن الكفاية مقبول. {قُلِ} لهم يا محمَّد في الجواب أنفقوا {الْعَفْوَ} ؛ أي: المال الفاضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله، ومن تلزمه مؤنتهم، فكان الرجل منهم بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ما يكفيه، وينفق باقيه إلى أن فرضت الزكاة، فنَسخت آية الزكاة التي في براءة هذه الآية، وكل صدقة أمروا بها قبل الزكاة، وقراءة الجمهور بالنصب، وقرأ أبو عمر وحده {العفوُ} بالرفع.