وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَيَانٌ لِلْأَيْمَانِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ; أَيْ: لَا تَجْعَلُوهُ مَانِعًا لِمَا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِهِ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى
وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى تَرْكِ الْبِرِّ أَوِ التَّقْوَى أَوِ الْإِصْلَاحِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلِ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحَ، فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَلَا يَرْضَى اللهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ مَانِعًا مِنْهُ، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَهُوَ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ; أَيْ: لَا تَجْعَلُوهُ تَعَالَى مُعَرَّضًا لِأَيْمَانِكُمْ لِأَجْلِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ، فَإِنَّ كَثِيرَ الْحَلِفِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ يَكُونُ مَهِينًا، غَيْرَ مُعَظِّمٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَعُرْضَةً لِلْكَذِبِ وَالْحِنْثِ، وَغَيْرَ مَوْثُوقٍ بِقَوْلِهِ، فَأَنَّى يَرْضَاهُ النَّاسُ مُصْلِحًا بَيْنَهُمْ؟ وَالْمُصْلِحُ مُرَبٍّ وَمُؤَدِّبٌ وَحَاكِمٌ مُطَاعٌ بِالِاخْتِيَارِ. ثُمَّ قَالَ: (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أَيْ: سَمِيعٌ لِمَا تَلْفِظُونَ بِهِ مِنَ الْحَلِفِ وَغَيْرِهِ، عَلِيمٌ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَثْرَةِ الْحَلِفِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُرَاقِبُوهُ وَتَتَذَكَّرُوا عِنْدَ دَاعِيَةِ كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ أَنَّهُ سَمِيعٌ لِأَقْوَالِكُمْ عَلِيمٌ بِأَفْعَالِكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَقِفُونَ عِنْدَ حُدُودِ هِدَايَتِهِ لَكُمْ فَتَكُونُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ.