وقال قوم: الفيء باللسان، وهو مذهب النخعي، وإن كان عاجزًا عن الجماع بمرض أو غيبة فاء بلسانه، وأشهد عليه.
وقد ذكرنا أنه إذا فاء لزمته الكفّارة إلا عندَ الحسن وقتادة، لقوله: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} والذين يوجبون الكفارة يقولون: هذا في إسقاط العقوبة لا في الكفارة.
227 -قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} الآية، العَزْم: عقد القلب على الشيء ، عزم على الشيء يَعْزِم عَزْمًا وعُزْمًا وعَزِيمةً، ذكرها الفراء، اعتزم اعتزامًا، وعزمت عليك لتفعلنّ، أي: أقسمت.
والطلاقُ: مصدرُ طَلُقتِ المرأةُ تطلُق طَلاقًا، وقال الليث: طَلُقَتِ المرأة، بضم اللام، تَطْلُق طلاقًا، وقال ابن الأعرابي: طَلُقَتْ من الطلاق أجود، وطَلَقَتْ بفتح اللام جائز.
ومعنى الطلاق: هو حل عقد النكاح بما يكون حلًّا في الشرع، وأصله من الانطلاق وهو الذهاب، والطَّلاق: انطلاق المرأة، والأولى أن يكون الطلاق هاهنا اسمًا من التطليق، كالسراح اسم من التسريح يوضع موضع المصدر، لأن المراد هاهنا التطليق.
وهذه الآية دليل على أنها لا تَطْلقُ بعد مضي الأربعة أشهر ما لم يطلقها زوجها أو السلطان؛ لأنه شرط فيه العزم، ولأنّ السماع يقتضي مسموعًا، والقول هو الذي يُسمَعُ فالسماع راجع إلى الطلاق.
فإن قيل: العزم عزم القلب لا لفظ اللسان، فإلى أي شيء يرجع السماع؟ قلنا: الرجل يعزم بقلبه ثم يطلق بلسانه، وقد ذكر الله العزم والمراد منه إنشاء اللفظ وهو قوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] . وما نهى عن النية؛ لأن التعريض بالخطبة مباح في عدة الوفاة والتعريض بالخطبة يتضمن القصد بالقلب وزيادة، وإنما حرم إنشاء عقد النكاح قبل أن يبلغ الكتاب أجله.