فيه قولهن إذا لم يظهر كذبهن، فإن في عدم قبوله حرجًا عظيمًا وهو مدفوع بالنص. وجه
الدلالة أنه جعله كالأمانة عندها والمؤتمن مصدق مع يمينه، وكذا إذا قالت أنا حائض ولم
يكذبها ظَاهر الحال لا يحل للزوج قربانها، ولو علق الطلاق به أو شيء آخر فقالت حضت
وقع الطلاق والعتاق، فكما أن النص يدل بمَنْطُوقه عَلَى حرمة كتمان الحيض يدل بإشارته أو
بدلالته عَلَى حرمة كتمان ما يؤدي كتمانه إلَى المفسدة كإخفاء الطهر حيلة للرجوع لعل
الزوج يرجع لظن بقاء العدة وعدم علم وقوع الطلاق والعتاق إذا علقا بالطهر وغير ذلك
مما يؤدي كتمانه إلَى عدم محافظة الحدود وفوت المقصود وكذا حال الزوج لا يحل له ما
لم يعلم إلا من جهته كالتَّكَلُّم بألفاظ كنايات الطلاق، وتعليق الطلاق والعتاق بوقوع الشيء
أو بعدمه وغير ذلك.
قوله:(ليس الْمُرَاد منه تَقْييد نفي الحل بأيمانهن، بل التَّنْبيه عَلَى أنه ينافي الأيمان وأن
الْمُؤْمن لا يجترئ عليه ولا يَنْبَغي له أن يفعل)بل التَّنْبيه يعني أن مفهوم الشرط وإن كان
معتبرًا عند الشَّافعيّ لكن الاعتبار عند انتفاء فَائدَة أخرى، وهنا الفائدة الأخرى متحققة وهي
التَّنْبيه الْمَذْكُور فلا مفهوم المخالفة أصلًا أما عندنا فظ، وأما عند الشَّافعي فلتحقق الفَائدَة
الأخرى. وقيل نبه بذلك عَلَى أن قوله إن كن ليس بشرط لقوله (ولا يحل لهن) بل جزاءه
مَحْذُوف مثلًا فلا يكتمن ولا يجترئن، وهذا يخالف ظَاهر قوله ليس الْمُرَاد منه الخ. عَلَى أنه
يرد الإشكال أَيْضًا لأنه يوهم أن من يؤمن لا يحرم عليه الكتمان والاجتراء الْمَذْكُور. قوله:
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
الْحَيْضَ خَارِجٌ عَنِ الرَّحِمِ لَا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فِي الرَّحِمِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ عَلَى الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ جَوْهَرٌ شَرِيفٌ، أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْحَيْضِ الَّذِي هُوَ شَيْءٌ فِي غَايَةِ الْخَسَاسَةِ وَالْقَذَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مَنْعَهَا عَنْ إِخْفَاءِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا اطِّلَاعَ لِغَيْرِهَا عَلَيْهَا، وَبِسَبَبِهَا تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ فِي النِّكَاحِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْكُلِّ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْمُرَادُ هُوَ النَّهْيُ عَنْ كِتْمَانِ الْحَيْضِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَرَدَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ الْأَقْرَاءِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الْحَمْلِ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَافَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى كُلِّ مَا يُخْلَقُ فِي الرَّحِمِ].
قوله: وليس الْمُرَاد منه تَقْييد نفي الحمل لإيمانهن يريد أن حكم حرمة كتمان ما في أرحامهن
عام في حق المؤمنة والكافرة فإن الكتمان حرام عليهما فليس الْمُرَاد بقوله (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ)
أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم إن كنت
مؤمنًا فلا تظلم تريد إن كتب مؤمنًا فيَنْبَغي أن يمنعك إيمانك عن أن تظلمني، ولا شك أن هذا
تهديد شديد عَلَى النساء، وهو كما قال في الشَّهَادَة (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) والآية دالة عَلَى أن كل
من جعل أمنيًا في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد.