إلى كم يا ذا المشيب أما الأمر منك قريب كم تعب فِي وعظك خطيب كم عالجك طبيب إنه لمرض عجيب إنه لداء غريب عظم واهن وقلب صليب يا هذا لا شيء أقل من الدنيا ولا أعز من نفسك وها أنت تنفق أنفاس النفس النفيسة على تحصيل الدنيا الخسيسة متى يقنعك الكفاف متى يردك العفاف متى
يقومك الثقاف إنك لتأبى إلا الخلاف مقاليدك ثقال وركعاتك خفاف يا قبيح الخصال يا سيء الأوصاف يا مشترياً بسني الخصب السنين العجاف قف متدبراً لحالك فالمؤمن وقاف وتذكر وعيد العصاة ويحك أما تخاف (ما من الحزم أن تقارب أمرا
تطلب البعد عنه بعد قليل
(وإذا ما هممت بالشيء فانظر
كيف منه الخروج قبل الدخول
(لا مفرا من المقادير لكن
للمعاذير عند أهل العقول
ويحك إن الدنيا فتنة وكم فيها من محنة غير أنها لا تخفى على أهل الفطنة لا يعز ذليلها ولا يودى قتيلها من سكنها خرج وساكنها منزعج (إنما الدنيا بلاء
ليس فِي الدنيا ثبوت
(إنما الدنيا كبيت
نسجته العنكبوت
(كل من فيها لعمري
عن قريب سيموت
(إنما يكفيك منها
أيها الراغب قوت
يا هذا انتقم من حرصك بالقناعة فمن مات حرصه عاشت مروءته خل فضول الدنيا وقد سلمت إن لم تقبل نصحي ندمت البلغة منها ما يقوت والزاهد فيها ما يموت فأعرض عنها جانبا وكن لأهلها مجانبا وإذا أقلقك هجير المجاعة فلذ بالصبر فِي ظل القناعة
الكلام على قوله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) الإنسان ابن أآدم وما توسوس به نفسه ما تحدثه به ويكنه فِي قلبه وهذا يحث على تطهير القلب من مساكنة الوساوس الرديئة تعظيما لمن يعلم قال بعض السلف إذا نطقت فاذكر من يسمع وإذا نظرت فاذكر من يرى وإذا عزمت فاذكر من يعلم قوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) الوريد عرق فِي باطن العنق وهما وريدان بين الحلقوم والعلياوين والعلويان القصبتان الصفراوان فِي متن العنق وحبل الوريد هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظي اسمه