وقريب من هذا قوله {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا، وهذا زاد سفر الآخرة ويلم به قول هود {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}
فالأول القوة الظاهرة المنفصلة عنهم، والثاني الباطنة المتصلة بهم
ويشبهه قوله {فما له من قوة ولا ناصر} فنفى عنهم الدافعين الدافع من أنفسهم، والدافع من خارج وهو الناصر.
(فائدة)
قوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محله
وعداه بحرف {إلى} التي إذا اتصل بها فعل النظر كان مِن نظر العين ليس إلا.
ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به، لا مع التنغيص بانتظاره.
ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية، وإن كان النظر بمعنى الانتظار قد استعمل في قوله {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13] وقوله تعالى {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] .
وقال أيضا في (الصواعق المرسلة)
ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا ترون ربكم تنظرون إلى ربكم {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
ولم يجئ في موضع واحد ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره.
[فَصْلٌ: كَمَالُ اللَّذَّةِ فِي كَمَالِ الْمَحْبُوبِ وَكَمَالِ الْمَحَبَّةِ]
وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ يَجِبُ عَلَى اللَّبِيبِ الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ كَمَالَ اللَّذَّةِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَنَعِيمِ الْقَلْبِ وَابْتِهَاجِ الرُّوحِ تَابِعٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَمَالُ الْمَحْبُوبِ فِي نَفْسِهِ وَجَمَالِهِ، وَأَنَّهُ أَوْلَى بِإِيثَارِ الْمَحَبَّةِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: كَمَالُ مَحَبَّتِهِ، وَاسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي حُبِّهِ، وَإِيثَارُ قُرْبِهِ وَالْوُصُولِ إِلَيْهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.