يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ.
{قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: قَدْ يَئِسَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنْ يُبْعَثُوا، كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ الْأَحْيَاءُ مِنْ أَمْوَاتِهِمُ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُبُورِ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ.
عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ}
يَقُولُ: يَئِسُوا أَنْ يُبْعَثُوا كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْقُبُورِ الَّذِينَ مَاتُوا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ أَنْ يَرْحَمَهُمُ اللَّهُ فِيهَا، وَيَغْفِرَ لَهُمْ، كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ الَّذِي هُمْ أَصْحَابُ قُبُورٍ قَدْ مَاتُوا وَصَارُوا إِلَى الْقُبُورِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ عَنْهُمْ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَيْقَنُوا بِعَذَابِ اللَّهِ لَهُمْ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ، يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، يَقُولُ: قَدْ يَئِسُوا مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَكَرَامَتِهَا، كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ الَّذِي قَدْ مَاتُوا فَهُمْ فِي الْقُبُورِ مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَوْا مَقْعَدَهُمْ مِنَ النَّارِ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: قَدْ يَئِسَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَكَرَامَتِهِ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لِلَّهِ نَبِيٌّ، كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْهُمْ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُمْ فَهَلَكُوا، فَصَارُوا أَصْحَابَ الْقُبُورِ، وَهُمْ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَغَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ، مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ إِيَّاهُمْ.