عَنْ قَتَادَةَ: كُنَّ إِذَا فَرَرْنَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكُفَّارِ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ عَهْدٌ، فَأَصَابَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنِيمَةً، أُعْطِيَ زَوْجُهَا مَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ غَنِيمَتَهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: خَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَخْرُجْ غَيْرُهَا. قَالَ: فَأَتَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذِهِ عُقْبَتُكُمْ قَدْ أَتَتْكُمْ، فَقَالَ اللَّهُ {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} : أَمْسَكْتُمُ الَّذِي جَاءَكُمْ مِنْهُمْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُمْ {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} ثُمَّ أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا جُنَاحُ عَلَيْهِمْ إِذَا فَعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِذَا اسْتُبْرِئَ رَحِمُهَا، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَهَبَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى الْكُفَّارِ، فَقَالَ لِهَذِهِ الَّتِي أَتَتْ مِنْ عِنْدِ الْمُشْرِكِينَ: «هَذَا زَوْجُ الَّتِي ذَهَبَتْ، أُزَوِّجَكِهِ؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَذَرَ اللَّهُ زَوْجَةَ هَذَا أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ، لَا وَاللَّهُ مَا لِي بِهِ حَاجَةٌ، فَدَعَا الْبَخْتَرِيَّ رَجُلًا جَسِيمًا، قَالَ: «هَذَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ. وَهِيَ مِمَّنْ جَاءَ مِنْ مَكَّةَ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعْطُوا مَنْ فَرَّتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الْكُفْرِ إِذَا هُمْ كَانَتْ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ عُقْبَى، إِمَّا بِغَنِيمَةٍ يُصِيبُونَهَا مِنْهُمْ، أَوْ بِلَحَاقِ نِسَاءِ بَعْضِهِمْ بِهِمْ، مِثْلَ الَّذِي أَنْفَقُوا عَلَى الْفَارَّةِ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخَصِّصْ إِيتَاءَهُمْ ذَلِكَ مِنْ مَالٍ دُونَ مَالٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ الْأَمْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}
يَقُولُ: وَخَافُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُصَدَّقُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَاتَّقُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 22/}