فَأَمَّا الْخُرُوجُ إلَى حَدِّ الْخَلَاعَةِ فَهُجْنَةٌ وَمَذَمَّةٌ، كَالَّذِي حُكِيَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ، وَكَانَ مُحَدِّثًا، أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إلَى أَصْحَابِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
وَإِذَا الْمَعِدَةُ جَاشَتْ ... فَارْمِهَا بِالْمَنْجَنِيقِ
بِثَلَاثٍ مِنْ نَبِيذٍ ... لَيْسَ بِالْحُلْوِ الرَّقِيقِ
أَمَا تَرَى كَيْفَ طَرَقَ بِخَلَاعَتِهِ التُّهْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذَا الْمَزْحِ فِيمَا لَعَلَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَبَعِيدٌ عَنْهُ. وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُسْتَرْسِلًا فِي مِزَاحِهِ. رَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَنَّ مَرْوَانَ رُبَّمَا كَانَ يَسْتَخْلِفُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فَيَرْكَبُ حِمَارًا قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ بَرْذَعَةً فَيَسِيرُ فَيَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: الطَّرِيقُ قَدْ جَاءَ الْأَمِيرُ. وَرُبَّمَا أَتَى الصِّبْيَانَ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لُعْبَةَ الْأَعْرَابِ فَلَا يَشْعُرُونَ حَتَّى يُلْقِيَ نَفْسَهُ بَيْنَهُمْ وَيَضْرِبَ بِرِجْلِهِ فَيَفْزَعُ الصِّبْيَانُ فَيَنْفِرُونَ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الْقَدْرِ الْمُسْتَسْمَحِ بِهِ وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْفِعْلِ مِنْهُ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ.
وَقَدْ «كَانَ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ مَزَّاحًا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتَأْكُلُ تَمْرًا وَبِك رَمَدٌ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا أَمْضُغُ عَلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى» .