فالإصرار على المعصية معصية أخرى، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب، مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه.
فإن آمن بنظره إليه، وأقدم على المجاهرة، فذنب عظيم، وإن لم يؤمن بنظره إليه، واطلاعه عليه فكفر، فهو دائر بين الأمرين:
بين قلة الحياء، ومجاهرة نظر الله إليه .. وبين الكفر والانسلاخ من الدين.
أما الفرح بالمعصية فهو دليل على شدة الرغبة فيها، والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظيم خطرها، ففرحه بها غطى عليه ذلك كله، وفرحه بها أشد ضرراً عليه من مواقعتها.
والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبداً، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به، ومتى خلى قلبه من هذا الحزن، واشتدت غبطته به، فليتهم إيمانه، وليبك على موت قلبه، فإنه لو كان حياً لأحزنه ارتكاب الذنب، وهذا عين الهلاك والخسران إن لم يتدارك نفسه بالتوبة النصوح.
وقلب الإنسان إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، وإذا صلح القلب بالإيمان جاءت التقوى والأعمال الصالحة، وإذا فسد القلب، جاءت المعاصي والسيئات.
فالقلب إذا فسد فسد السمع والبصر، وإذا فسد السمع والبصر فسد القلب فهما متلازمان.
فإذا أعرض القلب عن سماع الحق وأبغض قائله بحيث لا يحب رؤيته، امتنع وصول الهدى إلى القلب ففسد، وإذا فسد السمع والعقل تبعهما فساد البصر.
والإنسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيراً منه، لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الإنسان الجاهل.
فإذا أتاح الله للعبد فرصة القربة والطاعة فعليه بانتهازها والمبادرة إليها، فالعزائم والهمم سريعة الانتقاض.
والله سبحانه يعاقب من فتح له باباً من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكِّنه بعد من إرادته؛ عقوبة له كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) } [الأنفال: 24] .