فالعارف يسير إلى ربه بين شهود المنة من الله، ومطالعة عيب النفس والعمل.
فشهود المنَّة يوجب له المحبة لربه سبحانه، وحمده والثناء عليه، ومطالعة عيب النفس والعمل يوجب استغفاره، ودوام توبته، وتضرعه لربه.
ثم أصحاب هذا المشهد فيه قسمان:
أحدهما: من يشهد تسليط عدوه عليه، وإفساده إياه، وكبحه إياه بلجام الشهوة، فهو أسير معه، وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه ومولاه، عالم بأن نجاته بيده سبحانه، وناصيته بين يديه، وأنه لو شاء طرده عنه، وخلصه من يديه، ولم يعبأ به.
فكلما قاده عدوه وكبحه بلجامه أكثر الإلتفات إلى وليه وناصره وتضرع إليه، وتذلل بين يديه، وكلما أراد البعد عن بابه تذكر عطفه وبره سبحانه، وتذكر جوده
وإحسانه، وكرمه وغناه، ورأفته ورحمته، وقدرته وعزته، وجلاله وجماله، فانجذبت دواعي قلبه هاربة إليه، مترامية على بابه، منطرحة بين يديه.
وفوق هذا مشهد أجل منه وأعظم، ومثله كمثل عبد أخذه سيده بيده، وقدمه ليضرب عنقه، فأيقن العبد المسيء أنه قاتله، وقد علم العبد بره ولطفه ورحمته، ورأفته وكرمه، فهو يناشده بأوصافه، ويدخل عليه بها، فانقطع تعلقه بشيء سواه.
فهذا العبد معرض عن عدوه الذي كان سبباً في غضب سيده عليه، مقصور النظر إلى سيده، وهو في قبضته منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه.
ومثل الأول كمثل عبد أمسكه عدوه وهو يخنقه للموت، وذلك العبد يشهد دنو عدوه له، ويستغيث بسيده، وسيده يغيثه ويرحمه.
السابع: مشهد التوفيق والخذلان:
فالتوفيق: هو أن يكلك الله إلى نفسك، والخذلان: هو أن يخلي بينك وبين نفسك، والعباد متقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا.
فيطيع ربه ويرضيه، ويذكره ويشكره بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه، ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له.
فهو دائر بين توفيقه وخذلانه، فإن وفقه ربه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته، وهو المحمود على هذا وهذا.
لم يمنع سبحانه عبده شيئاً هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه، وأين يجعله؟.