{لو كان البحر مداداً} [الكهف: 109] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء للكذب ، والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قوله وصاب أمره ، وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتاً مقروناً بدليله أما لأهل البصائر فبعجزهم عن معارضته ، وأما للأغبياء فإبثات قوله ومحو قولهم.
ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل ، وكان من أحاط علمه بشيء قدر على ما يريده من ذلك الشيء ، بين ذلك بقوله معللاً على وجه التأكيد لأن عملهم عمل من يظن أن الله لا يعلم مكرهم: {إنه عليم} أي بالغ {بذات الصدور} أي ما هو فيها مما يعلمه صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك {ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88] ولقد صدق الله فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله - صلى الله عليه وسلم - وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه ، ومن أصدق من الله قيلاً.
ولما أخبر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم ، رغبهم رحمة منه لهم في التوبة التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوهها بأن يقولوها بألسنتهم ليبلغه ذلك عنهم ، فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلاً وأبداً {الذي يقبل التوبة} كلما شاء بالغة له أو متجاوزاً {عن عباده} الذين خالصون لطاعته ، سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك.
ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال: {ويعفو عن السيئات} أي التي كانت التوبة عنها صغيرة أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها أن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما كان قبله.