ثم أخبر أنه تعالى أظهر من الآيات لمصلحة عباده، وما لم يظهر أيضاً لم يظهر لمصلحتهم بقوله: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [غافر: 79 - 80] ؛ أي: خلقها لمنافعكم، ولو كان لكم فيها مفاز لم يخلقها ومنافعها {وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [غافر: 80] ؛ يعني: خلق الفلك أيضاً لمصلحتكم ومنفعتكم.
وفيه إشارة أخرى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا} [غافر: 79] ؛ أي: خلق النفس البهيمية الحيوانية؛ ليكون مركباً لروحكم العليا {وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} [غافر: 80] من مشاهدة الحق ومقامات القرب {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [غافر: 80] ؛ أي: في صفاتها، وهي الشهوة الحيوانية، ومنفعتها أنها مركب العشق والغضب، وأنها مركب الصلابة في الدين، والحرص مركب الهمة، وبهذه المراكب يصل إلى المراتب العلوية، كما قال: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ} ؛ صفات القلب {تُحْمَلُونَ} ؛ أي: جوار الحق تعالى، {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [غافر: 81] بتجلي صفاته {فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ} [غافر: 81] ؛ أي: صفاته {تُنكِرُونَ} [غافر: 81] إذا تجلى بها؛ أي: لا يبقي معها الإنكار والجحود.