وربك - أيها العاقل - «لا يضيع أجر من أحسن عملا» «ولا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون» .
فالمقصود بالآية الكريمة إعلان استحالة التسوية في الآخرة بين المؤمنين والكافرين، لأن التسوية بينهما ظلم، وهو محال عليه - تعالى -، وما كان البعث والجزاء والثواب والعقاب يوم القيامة إلا ليجزي - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى.
ومن الآيات التي تشبه في معناها هذه الآية قوله - تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم الذي أنزله على رسوله صلّى الله عليه وسلم وبين حكمة إنزاله، فقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.
وقوله: كِتابٌ خبر لمبتدأ محذوف. والمقصود به القرآن الكريم.
أي: هذا كتاب أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ بقدرتنا ورحمتنا - أيها الرسول الكريم، ومن صفاته أنه مُبارَكٌ أي: كثير الخيرات والبركات ..
وجعلناه كذلك لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ أي ليتفكروا فيما اشتملت عليه آياته من أحكام
حكيمة، وآداب قويمة، وتوجيهات جامعة لما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم ..
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ أي: وليتعظ أصحاب العقول السليمة بما جاء فيه من قصص وعبر عن السابقين، كما قال - سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 12/ 144 - 157} ...