ألا ترى إلى موسى وهارون - عليهما السلام - كيف قالا: إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى - أي: فرعون - ، فقال الله لهما: لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى .. .
ثم بين - سبحانه - ما قاله أولئك الخصوم لداود عند ما شاهدوا عليه أمارات الوجل والفزع، فقال: قالُوا لا تَخَفْ. خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ، وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ..
والبغي: الجور والظلم ... وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد.
والشطط: مجاوزة الحد في كل شيء. يقال: شط فلان على فلان في الحكم واشتط .. إذا ظلم وتجاوز الحق إلى الباطل.
وقوله: خَصْمانِ خبر لمبتدأ محذوف أي: نحن خصمان. والجملة استئناف معلل للنهى في قولهم: «لا تخف» . أي: قالوا لداود: لا تخف، نحن خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحكم الحق، ولا تتجاوزه إلى غيره، وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ أي:
وأرشدنا إلى الطريق الوسط، وهو طريق الحق والعدل.
وإضافة سواء الصراط، من إضافة الصفة إلى الموصوف.
ثم أخذا في شرح قضيتهما فقال أحدهما: «إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة، فقال أكفلنيها وعزنى في الخطاب» .
والمراد بالأخوة هنا: الأخوة في الدين أو في النسب، أو فيهما وفي غيرهما كالصحبة والشركة.
والنعجة: الأنثى من الضأن. وتطلق على أنثى البقر.
وقوله: أَكْفِلْنِيها أي: ملكني إياها، وتنازل لي عنها، بحيث تكون تحت كفالتي وملكيتى كبقية النعاج التي عندي، ليتم عددها مائة.
وقوله: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي: غلبني في المحاجة والمخاطبة لأنه أفصح وأقوى منى .. يقال: فلان عز فلانا في الخطاب، إذا غلبه. ومنه قولهم في المثل: من عزّ بزّ. أي:
من غلب غيره سلبه حقه. أي: قال أحدهما لداود - عليه السلام -: إن هذا الذي يجلس معى للتحاكم أمامك أخى. وهذا الأخ له تسع وتسعون نعجة، أما أنا فليس لي سوى نعجة واحدة، فطمع في نعجتى وقال لي: «أكفلنيها» أي: ملكنيها وتنازل عنها «وعزنى في الخطاب» .
أي: وغلبني في مخاطبته لي، لأنه أقوى وأفصح منى.