والمعنى: أي أنزلنا إليك هذا الكتاب، النافع للناس، المرشد لهم، إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في دينهم ودنياهم، الجامع لوجوه المصالح، ليتدبرها أولوا الحجا، الذين قد أنار الله بصائرهم، فاهتدوا بهديه، وسلكوا في أعمالهم ما أرشد إليه، وتذكروا مواعظه وزواجره، واعتبروا بمن قبلهم، فارعووا عن مخالفته، حتى لا يحل بهم مثل ما حل بالغابرين، ويستأصلهم كما استأصل السابقين، ممن بغوا في الأرض فسادا، وما تدبره بحسن تلاوته، وجودة ترتيله، بل بالعمل بما فيه، واتباع أوامره ونواهيه، ومن ثم قال الحسن البصري: قد قرأ القرآن عبيد وصبيان، لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن، فما أسقطت منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء، ولا الورعة لا أكثر الله في الناس من مثل هؤلاء، فمن اقتفى بظاهر المتلو، كان مثله، كمثل من له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نتوج لا يستولدها قال أنس رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعوّذوا بالله من فخر القراء، فإنهم أشد فخرًا من الجبابرة» . ولا أحد أبغض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من قارئ متكبر. وعن علي رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعوذوا بالله من دار الحزن، فإنها إذا فتحت، استجارت منها جهنم سبعين مرة، أعدها الله للقراء المرائين بأعمالهم، وإن شر القراء لمن يزور الأمراء» . وفي سلسلة الذهب للمولى الجامي رحمه الله تعالى: رب تال، يفوه بالقرآن، وهو يفضي به إلى الخذلان. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 24/ 338 - 375} ...