وَإِنَّمَا خُصَّتْ هَذِهِ الذَّاتُ عَنْ هَذِهِ الذَّاتِ بِمَا خُصَّتْ بِهِ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ الْمُرَجِّحَةِ مِثْلًا عَلَى مِثْلٍ بِلَا مُوجِبٍ، بَلْ قَالُوا ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَجْسَامِ، وَأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ، فَجِسْمُ الْمِسْكِ عِنْدَهُمْ مُسَاوٍ لِجِسْمِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ، وَإِنَّمَا امْتَازَ عَنْهُ بِصِفَةٍ عَرَضِيَّةٍ، وَجِسْمُ الثَّلْجِ عِنْدَهُمْ مُسَاوٍ لِجِسْمِ النَّارِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهَذَا مِمَّا خَرَجُوا بِهِ عَنْ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَكَابَرُوا فِيهِ الْحِسَّ، وَخَالَفَهُمْ فِيهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، وَمَا سِوَى اللَّهِ بَيْنَ جِسْمِ السَّمَاءِ وَجِسْمِ الْأَرْضِ، وَلَا بَيْنَ جِسْمِ النَّارِ وَجِسْمِ الْمَاءِ، وَلَا بَيْنَ جِسْمِ الْهَوَاءِ وَجِسْمِ الْحَجَرِ، وَلَيْسَ مَعَ الْمُنَازِعِينَ فِي ذَلِكَ إلَّا الِاشْتِرَاكُ فِي أَمْرِ عَامٍّ، وَهُوَ قَبُولُ الِانْقِسَامِ وَقِيَامُ الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ وَالْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجِبُ التَّشَابُهَ فَضْلًا عَنْ التَّمَاثُلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } [فَصْلٌ فَوَائِدُ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَتَأَمُّلِ مَعَانِيهِ]
وَأَمَّا التَّأَمُّلُ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ تَحْدِيقُ نَاظِرِ الْقَلْبِ إِلَى مَعَانِيهِ، وَجَمْعُ الْفِكْرِ عَلَى تَدَبُّرِهِ وَتَعَقُّلِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِإِنْزَالِهِ، لَا مُجَرَّدُ تِلَاوَتِهِ بِلَا فَهْمٍ وَلَا تَدَبُّرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]
وَقَالَ تَعَالَى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]
وَقَالَ تَعَالَى {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68]
وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]
وَقَالَ الْحَسَنُ: نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُتَدَبَّرَ وَيُعْمَلَ بِهِ. فَاتَّخِذُوا تِلَاوَتَهُ عَمَلًا.