ثم يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى فيقول: {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] الفاجر هو الفاسق الذي يفسق عن القانون الذي يحميه ويحمي المجتمع كما تفسق الرطبة من قشرتها، والحق سبحانه قبل أنْ يحمي المجتمع من الفاسق حَمَى الفاسق من المجتمع، والفاسق واحد، والمجتمع كثير.
إذن: فالفرد هو المستفيد من منهج الحق وهو الرابح.
وأيضاً، الإنسان حين تمرّ المسألة بخاصة نفسه يلتفت إلى الحق قَصْراً عنه، لأنه لن يجد حمايةً إلا في الحق، وسبق أنْ ضربنا مثلاً لطلاب الجامعة قلنا: هَبْ أن ثلاثةً من الشباب في دور المراهقة اثنان منهم ساروا - كما نقول - على حَلِّ شعرهم. والآخر استقام على المنهج حتى أنهما كانا يسْخران منه، ويقولان عنه: فلان هذا صللى فلان جردل .. قفل .. إلخ ما نسمع من هذه الكلمات.
وصادف أنْ كان عند أحدهما أخت، بالله لمن يُزوِّجها؟ لصاحبه المنحلّ؟ أم لصاحبه الملتزم المستقيم؟ لا شكَّ أنه يفضل الثاني، لأنه يأمنه ويطمئن إليه، إذن: لا بُدَّ أنْ يظلَّ الحق حقاً، والفضيلةُ فضيلة، ولا يمكن أنْ يستوي التَّقِيُّ والفاجرُ.
ثم يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ليسليه؛ لأن قصصَ القرآن جاء تسلية له صلى الله عليه وسلم، وتثبيتاً لفؤاده:
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ ...} .
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}
الكتاب هو القرآن، والمبارك هو الشيء الذي يعطي من الفائدة والخير فوق ما يُتصوَّر منه، تقول: هذا الشيء نأخذ منه ولا ينقص، نسميه مبروك كرجل يعيش على راتب محدود، ومع ذلك تراه يُربِّي أولاده أحسن تربية ويعيش بين الناس عيشة الأغنياء، فيقولون: إنه رجل مبارك، وأن الله يبارك في راتبه القليل فيصير كثيراً، لكن كيف يبارك الله في القليل؟
قالوا: ينزل على القليل، القناعة أولاً فيرضى صاحبها، ثم يسلب المصارف فلا ينفق منها إلاَّ في المفيد، الناس يظنون أنَّ الرزق هو المال، ولا يدرون أن سَلْبَ المصارف لونٌ من ألوان الرزق، وقلنا: إن الرزق رزقُ إيجابٍ بأنْ يزيد الدَّخْل، ورزقُ سَلْب بأنْ تقلَّ المصارف.