ولما ذكر أهل المدر ، أتبعهم طائفة من أهل الوبر يقاربونهم في الاستعصاء بالشجر ، مع أن عذابهم بظلة النار كما كان لقوم لوط عليه السلام حجارة من نار فقال: {وأصحاب لئيْكَةِ} ثم عظم أمرهم تهويناً لأمر قريش وردعاً لهم بالحث على استحضار عذابهم فقال: {أولئك} أي العظماء في التجند والاجتماع على من يناوونه {الأحزاب} أي الذين أقصى رتب هؤلاء في المخالفة أن يكونوا مثل حزب منهم.
ولما كان في معرض المعارضة لتألبهم وشقاقهم ، وتجمعهم على المناواة باطلاً واتفاقهم ، ولما كانوا لما عندهم من العناد وحمية الجاهلية ربما أنكروا أن يكون هلاك هؤلاء الأحزاب لأجل التكذيب ، وقالوا: هو عادة الدهر في الإهلاك والتخالف في أسباب الهلاك ، قال مؤكداً بأنواع التأكيد: {إن} أي ما {كل} من هذه الفرق كان لهلاكه سبب من الأسباب {إلا} أنه {كذب الرسل} أي كلهم بتكذيب رسوله ، فإن من كذب رسولاً واحداً مع ثبوت رسالته فقد استهان بمن أرسله ، وذلك ملزوم لتكذيب جميع من يرسله لتساوي أقدام المعجزات التي ثبتت رسالتهم بها في إيجاب التصديق {فحق} أي فتسبب عن ذلك التكذيب أنه حق {عقاب} أي ثبت عليه فلم يقدر على التخلص منه بوجه من الوجوه والعدول إلى إفراد الضمير مع أسلوب التكلم لأن المقام للتوحيد كما مضى وهو أنص على المراد ، وتقدم السر في حذف الياء رسماً في جميع المصاحف ، وقراءة عند أكثر القراء وفي إثباتها في الحالين ليعقوب وحده.
ولما كان السياق للشقاق والإذعان للذكر الذي هو الموعظة ذات الشرف:
ولا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ...
حتى يراق على جوانبه الدم
كان الحال مقتضياً للعقوبة بخلاف ما في"ق"فإن السياق لإنكارهم البعث وصحة النذارة وإثبات المجد ، فكان الوعيد في ذلك كافياً.