ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يصارحهم بأنه لا يريد منهم أجرا على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم فقال: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
أي: وقل لهم - أيها الرسول الكريم. بعد أن دعوتهم إلى التفكير الهادئ، المتأنى في أمرك: إنى ما طلبت منكم أجرا على دعوتي إياكم إلى الحق والخير، وإذا فرض وطلبت فهو مردود عليكم. لأنى لا ألتمس أجرى إلا من الله - تعالى - وحده، وهو - سبحانه - على كل شيء شهيد ورقيب، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
قال الآلوسي قوله: قل ما سألتكم من أجر، أي: مهما سألتكم من نفع على تبليغ الرسالة فَهُوَ لَكُمْ والمراد نفى السؤال رأسا، كقولك لصاحبك إن أعطيتنى شيئا فخذه، وأنت تعلم أنه لم يعطك شيئا: فما شرطية. مفعول سَأَلْتُكُمْ وقوله فَهُوَ لَكُمْ الجواب - وقيل هي موصولة، والعائد محذوف، ومن للبيان ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط. أي: الذي سألتكموه من الأجر فهو لكم، وثمرته تعود إليكم.
ثم أمره - سبحانه - للمرة الثالثة، أن يبين لهم أنهم لا قدرة لهم على مجادلته أو محاربته، لأن الله - تعالى - قد سلحه بما ينصره عليهم فقال: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وأصل القذف: الرمي بقوة وشدة والمراد به هنا: ما يوحيه الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلّم من قرآن وتوجيهات وإلهامات، والباء في قوله بِالْحَقِّ للسببية.
أي: قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن ربي يلقى الوحي إلى وإلى أنبيائه، بسبب الحق الذي كلفهم بتبليغه إلى الناس، وهو - سبحانه - وحده علام الغيوب.
قال الجمل: ما ملخصه قوله: يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يجوز أن يكون مفعوله محذوفا، لأن القذف في الأصل الرمي، وعبر به هنا عن الإلقاء. أي: يلقى الوحي إلى أنبيائه بالحق، أي: بسبب الحق، أو متلبسا الحق.
ويجوز أن يكون التقدير: يقذف الباطل بالحق، كما قال - تعالى - بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ.
ويجوز أن يكون المعنى: قل إن ربي يقضى ويحكم بالحق، بتضمين «يقذف» معنى يقضى ويحكم.