وأما الفرد: فيفكر في نفسه أيضًا بعدل ونصفة، هل رأينا في هذا الرجل جنونًا قط، أو جربنا عليه كذبًا قط، وقد علمتم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ما به من جنة، بل قد علمتم أنه من أرجح قريش عقلًا، وأوزنهم حلًا، وأحدهم ذهنًا، وأرصنهم رأيًا، وأصدقهم قولًا، وأزكاهم نفسًا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به، وإذا علمتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بآية، وإذا جاء بها تبين أنه نبي نذير مبين، صادق فيما جاء به، وقيل: تم الكلام عند قوله: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} ؛ أي: في السماوات والأرض، فتعلموا أن خالقهما واحد لا شريك له، ثم ابتدأ فقال: {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} ، اهـ من"الخازن".
والمعنى: أي قل لهم يا محمد: إني أرشدكم أيها القوم، وأنصح لكم أن لا تبادروا بالتكذيب عنادًا واستكبارًا، بل اتئدوا وتفكروا مليًّا فيما دعوتكم إليه، وجدّوا واجتهدوا في طلب الحق خالصًا؛ إما واحدًا فواحدًا، وإما اثنين فاثنين، لعلكم تصلون إلى الحق، وتهتدون إلى قصد السبيل، وتكونون قد أنصفتم الحقيقة، وأمطتم الحجب التي غشّت أبصاركم، ورانت على قلوبكم، فلم تجعل للحق منفذًا.