والمعنى: قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكفار: ما أنصحكم إلاَّ بخصلة واحدة، هي أن تتركوا التجمع في الرأي القائم على التعصب لعقائد أصولكم، وأن تنهضوا متفرقين: اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا، فالاثنان يشاور كلاهما الآخر ويتفاهم معه؛ فإنه أعون على الوصول إلى الحق من الفكر الواحد، فإذا انقدح الرأي بين الاثنين، عاد كلاهما إلى نفسه، للموازنة والبت فيما جاءكم به محمد؛ فإنه ليس بصاحبكم هذا جنون، فقد عرفتموه بالعقل الراجح والفكر الرشيد، فلا يعقل أن يتصدى لأمر خطير تعتريه صعاب لا نهاية لها إلَّا وهو على نور من ربه، وقد أيده الله بالقرآن وسواه من المعجزات، ما محمد إلا محذر لكم قُبَيلَ عذاب شديد - هو عذاب الآخرة - فقد بعث قريبا من الساعة، قال - صلى الله عليه وسلم:"بُعِثْتُ أنا والساعة، كهاتينِ"مشيرًا إلى قربها بضم أصبع السبابة إلى الوسطى، إيذانًا
بالفرق الصغير بينهما، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين والمرسلين، وقربه - صلى الله عليه وسلم - من الساعة نسبيٌّ، فالأرض مخلوقة منذ ملايين من السنين لا يعلمها إلَّا علام الغيوب.
47 - {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} :
لم يحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم على تبليغ الرسالة أجرًا، قال - تعالى - أي سورة يوسف: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} الآية (104) . وهذه الآية من هذا القبيل، تنفي أوَّلًا نفيًا صريحًا أنه سألهم أجرًا، وتبين أن بالأجر لهم إن آمنوا، وتبين أن أجره أي تبليغ الدعوة من الله وليس منهم.
ومعنى الآية على هذا الوجه: قل - أيها الرسول - للمشركين من قومك: لم أسألكم علي إيمانكم برسالتي أجرًا فالأجر لكم من الله حين تؤمنون، وما أجرى في تبليغ الحكم إليكم إلاَّ على الله وحده وهو على كل شيءٍ رقيب وحاضر، فلا يخفى عليه عملي وعملكم، وسيجزى كل امرئ حسب عمله ونيته.